أبي منصور الماتريدي

425

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وجل - أنه خلقه من مارج من نار . وقيل « 1 » : المارج هو لهبها مع ما ليس في القرآن ، ولا في الخبر أنهم إنما خلقوا من النور « 2 » ، ولم يخلقوا من غيره . ثم اختلف في إبليس : إنه لم كفر بالله ؟ قيل : إنّه كفر لما لم ير الأمر بسجود من فوقه لمن هو دونه حكمة . وقيل : كفر لما رأى أن الله تعالى وضع الأمر في غير موضع الأمر ، ورآه جورا ؛ فكفر به . وقيل : كفر لما أبى الائتمار بالسجود واستكبر فكفر . وقيل : كفر لما أضمر إضلال الخلق . وقيل : أبى الطاعة فيما أمر به ، واستكبر على آدم ؛ لما رأى لنفسه فضلا عليه بقوله : خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [ الأعراف : 12 ] . وقوله : وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ . أي صار كقوله : إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً [ النساء : 22 ] . وكقوله : فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ [ الأعراف : 175 ] أي : صار . وقيل « 3 » : كان في علم الله تعالى أنّه سيكفر . وقوله : وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ . قد ذكرنا فيما تقدم أن الجنة هي اسم البقعة التي حفت بالأشجار والغروس وأنواع النبات . دليله : قوله : وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ . وذلك أيضا ظاهر معروف عند الناس ؛ ألا تسمى كل بقعة من الأرض بستانا ، ولا جنة حتى يجتمع فيها ما ذكرنا . ثم لا يدرى ما تلك الجنة التي أمر آدم وحوّاء بالكون ، والمقام فيها : أهي التي وعد المتقون ، أو جنة من جنات الدنيا ؟ إذ ليس في الآية بيان ذلك . وفي الآية دلالة أن الشرط في الذكر قد يضمر ، ويكون شرطا بلا ذكر ؛ لأنه قال : أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى [ طه : 118 ] ثم قد جاع وعرى حين عصى ، فدل أن ترك المعصية كان

--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 685 ) عن ابن عباس بنحوه . ( 2 ) في أ : النار . ( 3 ) ذكره البغوي في تفسيره ( 1 / 63 ) والقرطبي في الجامع ( 1 / 204 ) .